محمد بن جرير الطبري
583
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
قيل : أنكرنا ذلك ، لأن التوبة من العبد غير كائنة إلا في حال حياته ، فأما بعد مماته فلا توبة ، وقد وعد الله عز وجل عبادَه قَبول التوبة منهم ما دامت أرواحُهم في أجسادهم . ولا خلاف بين جميع الحجة في أنّ كافرًا لو أسلم قبل خُرُوج نفسه بطرْفة عين ، أنّ حكمه حكم المسلمين في الصلاة عليه ، والموارثة ، وسائر الأحكام غيرهما . فكان معلومًا بذلك أنّ توبته في تلك الحال لو كانت غير مقبولة ، لم ينتقل حكمه من حكم الكفار إلى حكم أهل الإسلام ، ولا منزلةَ بين الموت والحياة ، يجوزُ أن يقال : " لا يقبل الله فيها توبةَ الكافر " . فإذْ صحّ أنها في حال حياته مقبولة ، ولا سبيلَ بعد الممات إليها ، بطل قولُ الذي زعم أنها غير مقبولة عند حُضُور الأجل . * * * وأما قول من زعم أنّ معنى ذلك : " التوبة التي كانت قبل الكفر " ، فقولٌ لا معنى له . لأن الله عز وجل لم يصف القوم بإيمان كان منهم بعد كفر ، ثم كُفْر بعد إيمان = بل إنما وصفهم بكفر بعد إيمان . فلم يتقدم ذلك الإيمانَ كفرٌ كان للإيمان لهم توبة منه ، فيكون تأويل ذلك على ما تأوّله قائل ذلك . وتأويل القرآن على ما كان موجودًا في ظاهر التلاوة = إذا لم تكن حجة تدل على باطن خاص - أولى من غيره ، وإن أمكن توجيهه إلى غيره . * * * وأما قوله : " وأولئك هم الضالون " ، فإنه يعني بذلك : وهؤلاء الذين كفرُوا بعد إيمانهم ، ثم ازدادوا كفرًا ، هم الذين ضلوا سبيل الحقّ فأخطأوا منهجه ، وتركوا نِصْف السبيل وهُدَى الدين ، حَيرةً منهم ، وعَمىً عنه . ( 1 ) * * *
--> ( 1 ) في المطبوعة : " . . . وهدى الله الذي أخبرهم عنه فعموا عنه " ، ولم يقل ذلك أبو جعفر ! وفي المخطوطة : " وهذي الذي حره منهم وعمى عنه " غير منقوطة ، فلم يستطع الناشر أن يقرأها على وجه صحيح ، ففعل بعبارة الطبري ما فعل ، وبئس ما فعل ! وصواب قراءتها ما أثبت . وقوله : " نصف السبيل " ، كان أحب إلى أن أقرأها " قصد السبيل " ، ولكني رجحت أن أبا جعفر يترجم عن معنى قوله تعالى " سواء السبيل " ، وهو وسطه ، وقد بين شرح ذلك في تفسيره فيما مضى 2 : 497 ، وقال : " . . . الذي إذا ركب محجته السائر فيه ، ولزم وسطه المجتاز فيه ، نجا وبلغ حاجته ، وأدرك طلبته " ، ورأيتهم يقولون : " منصف الطريق " ( بفتح الميم ، وسكون النون ، وفتح الصاد ) : وسط الطريق و " نصف الطريق " . وجائز أن تكون كانت " منصف الطريق " في كلام الطبري ومهما يكن من شيء ، فهي صحيحة المعنى ، جيدة المجاز في العربية .